محمد بن جرير الطبري
38
جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )
هو القسط في الحق ، والعدل بالكسر : المثل ، وقد بينا ذلك بشواهد فيما مضى . وأما نصب " الصيام " فإنه على التفسير كما يقال عندي ملء زق سمنا ، وقدر رطل عسلا . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال جماعة من أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا محمد بن بشار ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : ما عدل ذلك صياما ؟ قال : عدل الطعام من الصيام . قال : لكل مد يوما يؤخذ زعم بصيام رمضان وبالظهار . وزعم إن ذلك رأى يراه ولم يسمعه من أحد ، ولم تمض به سنة . قال : ثم عاودته بعد ذلك بحين ، قلت : ما عدل ذلك صياما ؟ قال : إن أصاب ما عدله شاة ، قومت طعاما ثم صام مكان كل مد يوما . قال : ولم أسأله : هذا رأي أو سنة مسنونة حدثني يعقوب بن إبراهيم ، قال : ثنا هشيم ، قال : أخبرنا أبو بشر ، عن سعيد بن جبير ، في قوله عز وجل : أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً ما يقتله المحرم قال : بصوم ثلاثة أيام ، إلى عشرة أيام . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا جرير ، عن مغيرة ، عن حماد : أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً من الجزاء إذا لم يجد ما يشتري به هديا أو ما يتصدق به مما لا يبلغ ثمن هدي ، حكم عليه الصيام مكان كل نصف صاع يوما ما يقتله المحرم . حدثني المثني ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية بن صالح ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس : أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً قال : إذ قتل المحرم شيئا من الصيد حكم عليه فيه ، فإن قتل ظبيا أو نحوه فعليه شاة تذبح بمكة ، فإن لم يجد فإطعام ستة مساكين ، فإن لم يجد فصيام ثلاثة أيام ما يقتله المحرم . وإن قتل أيلا أو نحوه فعليه بقرة ، فإن لم يجد أطعم عشرين مسكينا ، فإن لم يجد صام عشرين يوما وإن قتل نعامة أو حمار وحش أو نحوه ، فعليه بدنة من الإبل ، فإن لم يجد أطعم ثلاثين مسكينا ، فإن لم يجد صام ثلاثين يوما ، والطعام مد مد يشبعهم . حدثنا ابن البرقي ، قال : ثنا عمرو بن أبي سلمة ، عن سعيد ، المحرم يصيب الصيد فيكون عليه الفدية شاة ، أو البقرة أو البدنة ، فإن لم يجد فما عدل ذلك من الصيام أو الصدقة ؟ ما يقتله المحرم قال : ثمن ذلك ؛ فإن لم يجد ثمنه قوم ثمنه طعاما يتصدق به لكل مسكين مد ، ثم يصوم لكل مد يوما . القول في تأويل قوله تعالى : لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ يقول جل ثناؤه : أوجبت على قاتل الصيد محرما ما أوجبت من الحق أو الكفارة الذي ذكرت في هذه الآية ، كي يذوق وبال أمره وعذابه ، يعني " بأمره " : ذنبه وفعله الذي فعله من قتله ما نهاه الله عز وجل عن قتله في حال إحرامه يقول : فألزمته الكفارة التي ألزمته إياها ، لأذيقه عقوبة ذنبه بإلزامه الغرامة ، والعمل ببدنه مما يتعبه ويشق عليه . وأصل الوبال : الشدة في المكروه . ومنه قول الله : فَعَصى فِرْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْناهُ أَخْذاً وَبِيلًا وقد بين تعالى ذكره بقوله : لِيَذُوقَ وَبالَ أَمْرِهِ أن الكفارات اللازمة الأموال والأبدان عقوبات منه لخلقه ، وإن كانت تمحيصا لهم ، وكفارة لذنوبهم التي كفروها بها . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثني محمد بن الحسين ، قال : ثنا أحمد بن مفضل ، قال : ثنا أسباط ، عن السدي : أما وبال أمره ، فعقوبة أمره . القول في تأويل قوله تعالى : عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ وَمَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ يقول جل ثناؤه لعباده المؤمنين به وبرسوله صلى الله عليه وسلم : عفا الله أيها المؤمنون عما سلف منكم في جاهليتكم من إصابتكم الصيد وأنتم حرم وقتلكموه ، فلا يؤاخذكم بما كان منكم في ذلك قبل تحريمه إياه عليكم ، ولا يلزمكم له كارة في مال ولا نفس ، ولكن من عاد منكم لقتله وهو محرم بعد تحريمه بالمعنى الذي يقتله في حال كفره وقبل تحريمه عليه من استحلاله قتله ، فينتقم الله منه . وقد يحتمل أن يكون ذلك في معناه : من عاد لقتله بعد تحريمه في الإسلام فينتقم الله منه في الآخرة ، فأما في الدنيا فإن عليه من الجزاء والكفارة فيها ما بينت . واختلف أهل التأويل في تأويل ذلك فقال بعضهم نحو الذي قلنا فيه . ذكر من قال ذلك : حدثنا هناد ، قال : ثنا ابن أبي زائدة ، قال : أخبرنا ابن جريج ، قال : قلت لعطاء : ما عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ قال : عما كان في الجاهلية ، قال : قلت : ما